السيد محسن الأمين

156

أعيان الشيعة ( الملاحق )

حرمة النبي ( ص ) ميتا كحرمته حيا وليس في العقل شيء يمنع من الزيارة أو يوجب قبحها بل فيه ما يحسنها من تعظيم من عظمه الله واحترام من هدى الناس إلى سبيل الرشاد وكان سبب سعادتهم في الدارين . المقام الثاني في زيارة سائر القبور قد ثبت ان النبي ( ص ) كان يزور أهل البقيع وشهداء أحد ( وروى ) ابن ماجة « 1 » بسنده عنه ( ص ) زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة ( وبسنده ) عن عائشة انه ( ص ) رخص في زيارة القبور ( وفي ) حاشية السندي عن الزوائد ان رجال اسناده ثقات ( وبسنده ) عنه ( ص ) كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة ( ورواه ) مسلم « 2 » إلى قوله فزوروها ( وروى ) النسائي ونهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد ان يزور فليزر ( وزار ) النبي ( ص ) قبر أمه وهي مشركة بزعم الخصم ( روى ) مسلم في صحيحه « 3 » وابن ماجة « 4 » . والنسائي « 5 » بأسانيدهم عن أبي هريرة زار النبي ( ص ) قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال ( ص ) استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فاذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت ( قال ) النووي في شرح صحيح مسلم هو حديث صحيح بلا شك ( وروى ) مسلم « 6 » انه كلما كانت ليلة عائشة من رسول الله ( ص ) يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وآتاكم ما توعدون ) وعلم ( ص ) عائشة حين قالت له كيف أقول لهم يا رسول الله قال قولي ( السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ) الحديث رواه مسلم ( وعن بريدة ) كان رسول الله ( ص ) يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول السلام على أهل الديار وفي رواية السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين والمسلمات الحديث رواه مسلم ( وقد ) مر في المقام الأول زيارة ابن عمر لقبر الشيخين مرارا كثيرة ( وحكى ) السمهودي في وفاء الوفا « 7 » عن الحافظ زين الدين الحسيني الدمياطي ان زيارة قبور الأنبياء والصحابة والتابعين والعلماء وسائر المؤمنين للبركة اثر معروف قال وقد قال حجة الإسلام الغزالي كل من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد موته ويجوز شد الرحال لهذا الغرض انتهى ( إلى أن قال ) وقد روي عن النبي ( ص ) أنه قال آنس ما يكون الميت في قبره إذا زاره من كان يحبه في دار الدنيا وعن ابن عباس ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فسلم عليه الا عرفه ورد عليه وروي من زار قبر أبويه في كل جمعة أو أحدهما كتب بارا وان كان في الدنيا قبل ذلك بهما عاقا انتهى وسيأتي في آخر هذا الفصل أحاديث زيارة فاطمة ع قبر حمزة وشهداء أحد كل جمعة أو بين اليومين والثلاثة وكفى بفعلها ع دليلا وحجة . المبحث الثاني في شد الرحال إلى زيارة القبور وقد منع الوهابية من شد الرحال إلى زيارة النبي ص 156 فضلا عن غيره وقد عرفت ان ابن تيمية في مقام تشنيعه على الامامية قال إنهم يحجون إلى المشاهد كما يحج الحاج إلى البيت العتيق وما هو حجهم الا قصدهم زيارتها فسماه حجا إرادة لزيادة التهويل والتشنيع كما هي عادته ( وفي ) الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية لعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، وتسن زيارة النبي ( ص ) الا انه لا يشد الرحل الا لزيارة المسجد والصلاة فيه وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس انتهى ( واحتج ) الوهابية لذلك برواية البخاري عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ( ص ) ومسجد الأقصى ( ورواه ) مسلم في الحج والصلاة الا أنه قال مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى ( ورواه ) النسائي في سننه مثله الا انه قدم مسجد الحرام ( ورواه ) أبو داود في الحج ( وفي رواية ) لمسلم تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد و في رواية له انما يسافر إلى ثلاثة مساجد مسجد الكعبة ومسجدي ومسجد إيليا . ( والجواب ) عن هذه الأخبار ان الحصر فيها إضافي لا حقيقي اي لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد الا إلى هذه الثلاثة لأن هذا الاستثناء مفرغ قد حذف فيه المستثنى منه وكما يمكن تقديره لا تشد الرحال إلى مكان يمكن تقديره إلى مسجد لكن الثاني هو المتعين لأن ذلك هو المفهوم عرفا من أمثال هذه العبارة وللاتفاق على جواز السفر وشد الرحال إلى اي مكان كان للتجارة وطلب العلم والجهاد وزيارة العلماء والصلحاء والتداوي والنزهة والولاية والقضاء وغير ذلك مما لا يحصى ولو قيل إن هذا خصص بالدليل للزم تخصيص الأكثر وهو غير جائز كما تقرر في الأصول ( والحاصل ) انه لا يشك من عنده أدنى معرفة في أن المراد بقوله لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد أو انما يسافر إلى ثلاثة مساجد انه لا يسافر إلى غيرها من المساجد لا انه لا يسافر إلى مكان مطلقا على أنه لا يفهم من هذه الأحاديث حرمة السفر إلى باقي المساجد بل هي ظاهرة في أفضلية هذه المساجد على ما عداها يحيث بلغ من فضلها ان تستحق شد الرحال والسفر إليها للصلاة فيها فإنها لا تشد الرحال وتركب الأسفار وتتحمل المشاق الا للأمور المهمة لا ان من سافر للصلاة في مسجد طلبا لاحراز فضيلة الصلاة فيه يكون عاصيا وآثما وكيف يكون آثما من يسافر إلى ما هو طاعة وعبادة فالمسجد ببعده لم يخرج عن المسجدية والصلاة فيه لم تخرج عن كونها طاعة وعبادة إذ هو مسجد لكل أحد فكيف يعقل ان يكون السفر للصلاة فيه إثما ومعصية فالسفر للطاعة لا يكون الا طاعة كما أن السفر للمعصية لا يكون الا معصية وكيف تكون مقدمة المستحب محرمة ويدل على ذلك ان النبي ( ص ) والصحابة كانوا يذهبون كل سبت إلى مسجد قبا وبينه وبين المدينة ثلاثة أميال أو ميلان ركبانا ومشاة لقصد الصلاة فيه ولا فرق في السفر بين الطويل والقصير لعموم النهي لو كان روى البخاري في صحيحه « 8 » ان النبي ( ص ) كان يأتي مسجد قبا كل سبت ماشيا وراكبا وان ابن عمر كان يفعل كذلك ( وفي رواية ) كان رسول الله ( ص ) يزوره راكبا وماشيا ( وروى ) النسائي في سننه انه كان رسول الله ( ص ) يأتي قبا راكبا وماشيا وأنه قال من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قبا فصلى فيه كان له عدل عمرة وفي إرشاد الساري عن ابن أبي شيبة في اخبار المدينة بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص لأن أصلي في مسجد قبا ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين لو يعلمون ما

--> ( 1 ) صفحة 245 ج ل . ( 2 ) صفحة 325 ج 4 بهامش إرشاد الساري . ( 3 ) صفحة 325 ج 4 بهامش إرشاد الساري ( 4 ) صفحة 245 ج ل ( 5 ) صفحة 286 ج ل . ( 6 ) صفحة 318 ج 4 بهامش إرشاد الساري . ( 7 ) صفحة 413 ج 2 . ( 8 ) صفحة 332 ج 2 إرشاد الساري .